دخلت العلاقات بين الرباط وكيان الاحتلال الإسرائيلي في مرحلة جديدة من التطبيع نحو الاندماج الكامل إثر الاتفاق الثلاثي المغربي-الأمريكي-الإسرائيلي الأخير الذي جمع ممثلين عن الرباط وكيان الاحتلال إلى جانب المبعوث الأمريكي لدى الأمم المتحدة . ويقضي الاعلان برفع مستوى التمثيل الدبلوماسي إلى مرتبة "سفارات كاملة وتبادل السفراء"، فضلا عن استئناف الرحلات الجوية المباشرة وتوقيع حزمة من الاتفاقيات الاقتصادية والاستثمارية الاستراتيجية المجدولة حتى عام 2026.
يأتي هذا التطور في وقت تستعر فيه الانتهاكات الصهيونية الممنهجة بحق المقدسات الإسلامية، وعلى رأسها اقتحامات المسجد الأقصى المبارك المتكررة ،ليكشف عن فجوة هائلة وعميقة بين أجندات وسياسات الدوائر الرسمية وما يحصل في الواقع والمشهد في غزة وفلسطين والمنطقة ككل من جرائم وتغلغل صهيوني . فالمنطقة اليوم تشهد موجة تغول صهيوني غير مسبوقة ، ومن لم يلتحق بركب التطبيع واتفاقيات ابراهام الترامبية ، يواجه بمحاولات صهيونية للتوسع والسيطرة بالقوة على أراضي الإقليم كما هو حاصل في سوريا وجنوب لبنان وغزة.
إن تتبع مسار العلاقات بين الرباط والاحتلال منذ الإعلان الثلاثي في ديسمبر 2020، يؤكد أن هذا التقارب بُني على قاعدة "المقايضة السياسية"، حيث شكل الاعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية على إقليم الصحراء الغربية الثمن السياسي الذي قايضت به الإدارة الأمريكية الموقف المغربي، لتدخل الرباط رويدا رويدا في مسار التطبيع الشامل.
ولا يمكن فصل هذا الاندفاع عن رغبة دولة الاحتلال في توسيع اختراقها الجيوسياسي والأمني نحو منطقة شمال إفريقيا، مستغلة الغطاء الدبلوماسي والاقتصادي لشرعنة وجودها وتثبيت أقدامها عبر الاتفاقيات المتعددة المستويات بكل ما تحمله من أثار وتداعيات.
ويحمل الترفيع إلى "سفارات كاملة" في طياته أبعادا تتجاوز الشكل البروتوكولي، وتتجلى خطورته في شرعنة الاحتلال ومنحه الغطاء وصك الغفران السياسي والدبلوماسي في وقت يمعن فيه في جرائم الإبادة، والتطهير العرقي، وتهجير الفلسطينيين، وانتهاك حرمة الأقصى. كما يزيد هذا التطور من خطورة الاختراق الأمني والاستراتيجي الصهيوني في شمال افريقيا . ففتح الباب أمام شراكات أمنية وعسكرية واستخباراتية مع الصهاينة يهدد بالعمق سيادة المنطقة وأمنها القومي. ويضاف اليه ما يحصل في افريقيا ككل من مخططات صهيونية للتقارب مع عديد الأنظمة والدول بحثا عن موطئ قدم ثابت في القارة السمراء .
يأتي هذا التسارع التطبيعي ليوجه رسالة سلبية للمجتمع الدولي مفادها أن جرائم الاحتلال وانتهاكاته لا تكلفه شيئا على الصعيد الدبلوماسي، بل تُقابل بمزيد من الانفتاح والشراكات. وفي الوقت الذي يحتاج فيه الشعب الفلسطيني إلى مواقف صلبة تضغط من أجل إنهاء الاحتلال وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، تأتي هذه الاتفاقيات لتمنح المحتل طوق نجاة سياسي، وتساهم في الترويج للتطبيع بوصفه "مكسبا تنمويا" وهميا، بينما جوهره الحقيقي هو تصفية القضية الفلسطينية وإلهاء الأمة بصراعات جانبية.
في خضم ذلك، يبرز الموقف الشعبي والمدني المغربي -الذي تعبر عنه بوضوح هيئات ومكونات حية كالهيئة المغربية لنصرة قضايا الأمة والجبهة المغربية ضد التطبيع- كجدار صد منيع. فقد عبرت هذه المنظمات عن رفض قطعي لكل أشكال الاختراق والتطبيع والارتهان لإرادة الاحتلال.